حيدر حب الله

274

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

إزدهار السنّة أو التطوّرات الحديثية مع المدرسة الأخباريّة لاحظنا سابقا أنّ الشيعة كانت مهتمّة لأمر الحديث في القرون الأربعة الهجرية الأولى ، وأنّ هذا الاهتمام قد بلغ أوجه مع مدرسة الشيخ الصدوق ( 381 ه ) ، وقد كاد أن يقضى نسبيا على هذا الاهتمام مع المرتضى والمفيد ، لولا أنّ الشيخ الطوسي قد سلك سبيلا وسطا - كما قلنا - بين تياري العقل والنص في الفكر الشيعي ، مؤلّفا إلى جانب « الأمالي » كلا من التهذيب والاستبصار ، وقد تتالى الاهتمام الحديثي بشكل عادي أحيانا وبطيء خجل أحيانا أخرى ، فلاحظنا تجربة ابن طاوس في كتاب « فتح الأبواب » وغيره ، وقبلها تجربة ابن إدريس الحلّي مع « المستطرفات » وغير ذلك . . . إلّا أنّ أمر الحديث بعد ابن طاوس والعلامة أخذ بالركود ، ثم شهدنا ظهور علم الحديث مع الشهيد الثاني ، لكنها بمجملها خطوات حديثية محدودة نسبة لتجربة القرون الخمسة الأولى . ويكشف لنا نصّ دالّ للشيخ حسن صاحب منتقى الجمان يخبرنا فيه عن سبب تأليفه كتابه هذا ، إنه يقول : « والذي حدانا على ذلك ما رأيناه من تلاشي أمر الحديث ، حتّى فشا فيه الغلط والتصحيف ، وكثر في خلاله التغيير والتحريف ، لتقاعد الهمم عن القيام بحقّه ، وتخاذل القوى عن النهوض لتلافي أمره ، مع أنّ مدار الاستنباط لأكثر الأحكام في هذه الأزمان عليه ، ومرجع الفتاوي في أغلب المسائل الفقهيّة إليه ، ولقد كانت حاله مع السلف الأوّلين على طرف النقيض ممّا هو فيه مع الخلف الآخرين ، فأكثروا لذلك فيه المصنّفات ، وتوسّعوا في طرق الروايات ، وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده ، من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه . . . وأنا أرجو من كرم الله تعالى الإمداد بالمعونة على ما أنا بصدده في هذا الكتاب من بذل الجهد في استدراك ما فات ، وصرف الوكد إلى إحياء هذا الموات ، ليكون مفتاحا لباب الدراية الأشب ، ومعوانا على بناء ربع الرواية الخرب . . » « 1 » . فهذا النصّ يؤكّد أنّ تراجعا في الاهتمام الحديثي قد وقع ، لا أقل بعد العلامة الحلّي ( 726 ه ) ، وهذا الأمر نراه طبيعيا جدا ، انطلاقا من عناصر عدّة أبرزها :

--> ( 1 ) - الشيخ حسن ، منتقى الجمان 1 : 2 - 3 .